السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
145
مفاتيح الأصول
عمره وهو لا يقصد الكف عن هذه الأشياء لا يكون مثابا ثم أجاب فقال والجواب نمنع عن كون الثواب لا يترتب إلَّا على الكف فإنا قد أثبتنا ترتب الثواب على الترك من دون مدخلية الكف وهو يبطل ما قالوه انتهى والأقرب عندي هو القول الأول مفتاح إن أمكن خلو المكلف عن كلّ فعل وصحّ فرض عدم اشتغاله بشيء من الأفعال جار تعلَّق النهي بجميع الأفعال كما صرّح به في الذريعة والعدة والتهذيب والنهاية والمنية بل الظاهر أنّه مما لا خلاف فيه ووجهه واضح ومثل لذلك في التهذيب والمنية بالمستلقي ففي الأوّل المكلف إن أمكن خلوّه عن كل فعل كالمستلقي على القول ببقاء الأكوان واستغناء الباقي أمكن قبح الجميع فجاز النهي عن جميع أفعاله وفي الثاني المكلف إذا أمكن أن يخلو من كلّ فعل كالمستلقي السّاكن بجميع أعضائه على قول من يرى بقاء الأكوان وأن الباقي مستغن عن المؤثر وإنّما اشترط بقاء الأكوان واستغناه الباقي عن المؤثر لأنه لولا الأول لكان المستلقي فاعلا لسكونه الأول فلم يكن خاليا عن الفعل وكلا المقامين مختلف فيه بين المتكلَّمين وإنما مثل بالمستلقي لأنّه أبعد أحوال المكلَّف عن ظهور الفعل ولهذا جعله الشارع آخر مراتب العجز عن الصّلاة لا لأن هذا الحكم مخصوص به لأنه ثابت للقائم والقاعد وغيرهما لأن القائم مثلا إنّما يؤثر في القيام حال حدوثه أمّا حال بقائه فلا فعلى هذا يمكن قبح جميع أفعاله فيصح نهيه عنها أجمع انتهى وعلى ما ذكر يجب على المحبوس في الدّار المغصوبة ترك جميع الأفعال والاستلقاء لأن كلّ فعل يصدر منه تصرف في ملك الغير من غير إذنه فيكون منهيا عنه ومقتضى كلام الجماعة المشار إليهم عدم الفرق في ذلك بين كون الخلو عن جميع الأفعال مستلزما للحرج أو لا والتحقيق أن يقال إن كان عقليا كنفي التكليف بما لا يطاق فلا يجوز النّهي عن جميع الأفعال حيث يستلزم تركها الجرح وإن كان شرعيا تعبديّا كأصالة الطَّهارة فيجوز ذلك ولكن الأصل عدمه للعمومات الدّالة على نفي الجرح في الشريعة وعلى هذا فالأصل في المحبوس المفروض عدم حرمة جميع أفعاله ووجوب الاستلقاء لأن حرمتها عليه حرج عظيم فيكون منفيّا للعمومات المشار إليها ولكنها معارضة بالعمومات المانعة عن التصرف في ملك الغير تعارض العامّين من وجه فيجب التوقف وقد يقال بعد التوقف يبقى أصالة الإباحة سليمة عن المعارض ومع هذا فقد ترجح العمومات النافية للحرج لتواترها وتأيّدها بالاعتبار العقلي وتقدّمها على أكثر العمومات في أكثر الموارد وينبغي التنبيه على أمور الأوّل إن قلنا بامتناع خلوّ المكلَّف عن جميع الأفعال فلا يجوز تعلق النّهي بجميعها حينئذ كما صرح به في المنية والعدة والتهذيب والنهاية والذريعة بل لا خلاف فيه بين أصحابنا لأنه لو تعلَّق النّهي بجميعها حينئذ للزم التكليف بما لا يطاق كما صرّح به في المنية وأشار إليه في الذريعة والنهاية والتهذيب فقال لا يجوز ذلك لأنه يقتضي أن لا ينفك من القبيح وأن يكون معذورا فيه انتهى فعلى ما ذكر لو ورد خطاب يدل بظاهره على تعلَّق النّهي بجميعها وجب ارتكاب التأويل فيه وتخصيصها ببعضها ثم إن كان المحتاج إليه من الأفعال معيّنا مشخصا كان اللازم الحكم بكونه خارجا من عموم الخطاب فيبقى غيره مندرجا تحت عموم النّهي وإن لم يكن معيّنا كما لو احتاج إلى فعل مّا فاللازم حينئذ الحكم بالتخيير فما اختاره يكون خارجا من العموم وهل يتعين البقاء عليه فيلزم الحكم بحرمة ما عداه أو لا بل يجوز العدول عنه متى ما شاء فيه إشكال ولكن الاحتمال الثاني في غاية القوة فعليه يرجع الأمر إلى إباحة الجميع فيلزم الحكم بإباحة جميع ما يصدر من المحبوس في المغصوب من الأفعال لأنه لا بدّ له من الاشتغال فيه إشكال ولكن الاحتمال الثاني في غاية القوّة فعليه يفعل ولا يكون مغنيا فيتخيّر بين جميع الأفعال مطلقا ولو بعد اختيار واحد منها فيلزم حينئذ الحكم بصحّة صلاته ونحوها من العبادات فيه فتأمل الثّاني صرّح في الذريعة والنهاية والتهذيب والمنية بأنّه يمكن قبح جميع أفعاله على وجه دون وجه فيصحّ نهيه عنه أجمع من ذلك الوجه الذي تعلق القبح به دون الآخر قال في التهذيب والمنية كالخروج من الدار المغصوبة فإنه قبيح إن قصد به التصرف في المغصوب حسن إن قصد به التخلص عنه وفي الذريعة والنهاية فمن دخل زرع غيره على سبيل الغصب فله الخروج بنيّة التخلص وليس له التصرّف بنيّة الفساد وزاد في الذريعة فقال وكذلك من قعد على صدر حي إذا كان انفصاله عنه يؤلم ذلك الحيّ لقعوده وكذلك المجامع زانيا له الحركة بنيّة التخلَّص وليس له الحركة على وجه آخر انتهى وما ذكروه جيّد الثّالث قال في الذريعة يصحّ أن يقبح بعض تصرفه على كلّ حال وهو جيّد الرّابع قال في النهاية فصل أبو الحسين هنا جيّدا فقال النّهي عن الأشياء إمّا أن يكون نهيا عنها عن الجميع أو عن الجمع بينها أو نهيا عنها عن البدل أو عن المبدل فالأقسام أربعة الأوّل النهي عن الجميع بأن يقول النّاهي للمخاطب لا تفعل هذا ولا ذلك ويوجب عليه الخلوّ عنهما أجمع وتلك الأشياء قسمان أحدهما أن يمكن الخلوّ عنهما أجمع فيصح النّهي الثاني أن يمتنع فيصح إلَّا عند من يجوّز تكليف ما لا يطاق ولا فرق بين أن يكون النّهي إيجابا للخلوّ بين الشيء ونقيضه أو بينه وبين ضدّه إذا لم يكن هناك غير المنهيّ عنه الثاني النهي عن الجمع مثلا لا تجمع بين كذا وكذا فإن كان ممكنا جاز النّهي